بارليف
==============================
في يوم الخامس من أكتوبر 1973 كانت القيادة العسكرية
في إسرائيل تناقش الموقف .. وبينما كانت رئيسة وزراء
إسرائيل "جولدا مائير" تشك في أن مصر تعد للحرب, ولذلك
استدعت ليلا الجنرال اليعازار رئيس الأركان الإسرائيلي
تسأله عن إمكانية عبور المصريين لقناة السويس.
الجنرال يطمئنها بقوله: "المعروف دوليا أن أصعب الموانع
المائية في العالم اثنان لا ثالث لهما, وهما قناة السويس
وقناة بنما وذلك لطبيعة المياه والعمق والعرض. وإذا أضفنا
إلي ذلك كله المواقع الحصينة في خط بارليف ومواقع
الاشتعال البترولي ثم سمك الساتر الترابي فإن ذلك كله
بدون أي تفكير كاف للدلالة على استحالة عبور المصريين
للقناة".
تهاوي الساتر الترابي, وبسلاح لم يكن متوقعا, إذ جهز
الجيش المصري 80 مدفعا للمياه نجحت في فتح ثغرات في
الساتر.. وكان لهذه الفكرة قصة عجيبة.
الدين الشاذلي في مذكراته, واصفا صعوبات العبور, بأن
إسرائيل بعد هزيمة 1967, قد أقامت على الضفة الشرقية
لقناة السويس, ساترا ترابيا, وبارتفاع يصل في بعض الأماكن
إلى 20 متر, وكان ميل هذا الساتر يجعل من الصعب على أي
دبابة برمائية أن تعبره, وعلى طول هذا السد الترابي بني
الإسرائيليون خطا دفاعيا قويا أطُلق عليه خط بارليف, يتكون
من 35 حصنا, تتراوح المسافة بين كل منها ما بين كيلو متر
واحد في الاتجاهات المهمة على طول البحيرات. وكانت هذه
الحصون مدفونة تحت الأرض, وذات أسقف قادرة على أن
تتحمل قصف المدفعية الثقيلة, وتحيط بها حقول ألغام
وأسلاك كثيفة.
العسكرية السائدة آنذاك للتعامل مع الساتر الترابي كان
تتخلص في أن يقوم المهندسون بالعبور في قواربهم
المطاطية بمجرد أن تتمكن موجات المشاة من تحقيق الحد
من الوقاية لهم . والخطوة التالية أن يقوموا بشق حفرة
داخل السد الترابي مستخدمين أدوات الحفر التقليدية
اليدوية (لاستحالة استخدام أدوات الحفر الميكانيكية نظرا
لتهايل التراب) ثم تملأ هذه الحفر بالمتفجرات ويتم تفجيرها
بعد أن ينسحب المهندسون إلى مسافة 200 مترا عن مكان
التفجير .
إلى داخل الحفرة التي يسببها التفجير, وكانت النتائج غير
مشجعة وكانت كمية الأتربة المزاحة نتيجة التفجير تصل إلى
حوالي 200 – 300 متر مكعب تاركة ما يقرب من 1200 متر
مكعب أخري تجب علينا إزاحتها بواسطة العمل اليدوي
والميكانيكي. ولهذا كان التفكير في أن يستأنف العمل
اليدوي لتجهيز مطلع "للبولدوزر" التي يم نقله على معدية,
يقوم باستكمال فتح الثغرة.
عملية التنسيق بين المهندسين الذين يقومون بالتفجير,
والمشاة التي تعبر قد لا تسير على الوجه الأكمل , مما قد
تترتب عليه إصابة بعض جنودنا نتيجة هذه التفجيرات، وكذلك
قد يترتب على هذه الخطوات خسارة عدد كبير من
المهندسين العسكريين فيما لو وقعت هذه المجموعة تحت
نيران العدو ، إضافة لإرتفاع تكاليف فتح الثغرات بهذا
الأسلوب، إذ أن كل ثغرة كانت بحاجة لـ 60 فردا و200 كجم
من المتفجرات وعمل يستمر نحو 6 ساعات دون حساب لأي
تدخل من العدو .
لضخ المياه من القناة بقوة تجاه الساتر الترابي..
العبقري المصري صاحب هذه الفكرة؟ إنه اللواء أركان حرب
المهندس باقي زكي يوسف .. تخرج من كلية الهندسة عام
1954, التحق في نفس العام للعمل في القوات المسلحة
كضابط مهندس في سلاح المركبات, انتدب للعمل في السد
العالي من عام 1964 وحتى هزيمة 1967 , وكان رئيسا
للفرقة 19 احدي التشكيلات بالجيش الثالث الميداني,
ورئيسا لفرع مركبات الجيش الثالث في حرب أكتوبر.
لفكرة استخدام طلمبات المياه قصة مدهشة..
196
لمناقشة كيفية العبور والقضاء على خط بارليف.. كان
الحضور مشكلا من: العميد أركان حرب أبو الفتح محرم ،
ورئيس العمليات اللواء أركان حرب "طلعت مُسلم" ، رئيس
فرع المهندسين العقيد "سمير خزام" ، ورئيس فرع الإشارة
العقيد "صبحي اليوسف" ، ورئيس فرع الاستطلاع الرائد
"
التي لديه, بعدها بدأ كل رئيس تخصص عرض وجهه نظره,
منهم من قال: التغلب على الساتر الترابي يكون بقذفه
بالقنابل ومنهم من قال بالصواريخ المدفعية . ولكن حينما
سأل اللواء زغلول عن الوقت الذي تستغرقه عملية فتح
الثغرات، وجاء الرد بأنه 15 ساعة، هنا ومضت فكرة في ذهن
الضابط المهندس باقي زكي يوسف..
يقوم باستخدام المياه لتجريف جبال الرمال , باستخدام قوة
دفع المياه ينهار أشد الجبال ويتحول إلي حبات رمال تغرق
في قاع النهر ليتم سحبها مرة أخري وشفطها في أنابيب
خاصة لاستغلالها في أعمال بناء جسم السد. وقال "يا فندم
.. ربنا حط المشكلة وجنبها الحل.. لكي نفتح ثغرات في
الساتر الترابي علينا أن نوجه مدافع مياه مضغوطة إلي
جسم الساتر لتجرى رماله إلى قاع القناة".
المكان ولا أحد يستوعب إمكانية تطبيق الفكرة إلى أن قال
زكي : " بالمناسبة .. هذه الفكرة تم تنفيذها في السد
العالي بأسوان..حيث رفعنا ربع السد العالي بالتجريف"
وأضاف أن الوضع هنا في القناة سيكون مختلفا, فلن نكون
إلا بحاجة لمرحلة واحدة فقط, وهي استخدام طلمبات قوية,
تدفع الرمال للغوص في أعماق القناة, يساعد على ذلك
الميل الشديد لجوانب الساتر الترابي.
الجيش الثالث فطلب من زكي يوسف إعداد تقرير فني عن
فكرته وكيفية تنفيذها .. وقد نال هذا التقرير أعجاب الرئيس
عبد الناصر الذي أمر بدراستها وتجربتها.
بتصميم مدفع مائي فائق القوة لقذف المياه ، في إمكانه أن
يحطم ويزيل أى عائق أمامه أو أي ساتر رملي أو ترابي في
زمن قياسي قصير وبأقل تكلفة ممكنة مع ندرة الخسائر
البشرية.
العملية والميدانية للفكرة زادت على 300 تجربة اعتبارا من
سبتمبر عام 1969, حتى تم القيام ببيان عملي في يناير عام
1972 بجزيرة البلاح بالإسماعيلية، حيث تم فتح ثغرة في
ساتر ترابي أقيم ليماثل الموجود على الضفة الشرقية
للقناة, وعلى ضوء النتائج المرصودة تم إقرار استخدام فكرة
تجريف الرمال بالمياه المضغوطة كأسلوب عملي لفتح
الثغرات في الساتر الترابي شرق القناة في عمليات العبور
المنتظرة.
بحجة استخدامها في عمليات إطفاء الحرائق, والتنمية
الزراعية..
المعركة, فقد تم الانتهاء من فتح أول ثغرة في الساتر
الترابي الساعة السادسة من مساء يوم العبور, بعد أربع
ساعات, ووصلت الخسائر البشرية إلى 87 فردا وهو أقل
بكثير من الحلول الأخرى المقترحة .
مساءا تم فتح 75 % من الممرات المستهدفة , وعبر أول لواء
مدرع فى الساعة الثامنة والنصف من مساء نفس
اليوم.
نوط الجمهورية العسكري من الطبقة الأولى تسلمه من يد
الرئيس الراحل أنور السادات في فبراير 1974 ، وتسلم
وسام الجمهورية من الطبقة الثانية من الرئيس السابق
حسني مبارك بمناسبة إحالته إلى التقاعد من القوات
المسلحة عام 1984م.
تشعر بالمرارة نتيجة تجاهلك خلال الفترة الماضية, واختزال
المعركة أما في قرار العبور أو الضربة الجوية؟ قال ببساطة:
أبدا.. فعندما عبرت القناة الساعة السابعة من صباح 7 أكتوبر
شعرت بأن رقبتي أعلي من ساري التليفزيون المصري, وكاد
قلبي يتوقف من الفرحة, وعقلي لا يصدق أن القوات
المسلحة المصرية تعبر من خلال الفكرة التي أعطاها الله
لي.
